لعقود طويلة، دار الاقتصاد العالمي حول قوة مهيمنة واحدة: الدولار الأمريكي. من عقود النفط الخام إلى مدفوعات الشحن الدولي، شكّل الدولار العمود الفقري للتجارة العالمية منذ سبعينيات القرن الماضي. غير أن مواجهة جيوسياسية متصاعدة في الشرق الأوسط تُجبر الاقتصاديين والمستثمرين والحكومات على مواجهة سؤال عسير: هل يدخل العالم المراحل الأولى لحقبة ما بعد البترودولار؟
اشتدّ هذا الجدل في مطلع عام 2026، بعد أن أفادت التقارير بأن إيران باتت تشترط تسوية بعض مدفوعات العبور المرتبطة بالنفط عبر مضيق هرمز باليوان الصيني بدلاً من الدولار الأمريكي. وعلى الرغم من محدودية هذه الخطوة في نطاقها حتى الآن، فإنها أشعلت نقاشاً واسعاً في أوساط المحللين الماليين الذين يرون فيها نقطة تحول مفصلية في مسيرة التحوّل العالمي بعيداً عن هيمنة الدولار.
يُعدّ مضيق هرمز من أكثر الممرات البحرية أهمية استراتيجية على وجه الأرض؛ إذ يمر عبر هذا الممر الضيق الرابط بين الخليج العربي وبحر العرب ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية. وقد أسفر أي اضطراب في الشحن بهذه المنطقة تاريخياً عن موجات صدمة في أسواق الطاقة والتضخم العالمي والأنظمة المالية في أرجاء العالم.
والآن، مع ربط إيران حق العبور وآليات تجارة النفط بمنظومات التسوية المقوّمة باليوان، يرى المحللون أن التداعيات تمتد بعيداً عن أسعار النفط وحدها.
وفقاً لتقارير شحن إقليمية متعددة ومراقبين ماليين، تتيح السياسة الإيرانية الأخيرة لبعض السفن — ولا سيما تلك المرتبطة بالصين — الاستمرار في العبور عبر هرمز بقيود أقل، في حين قد تواجه شحنات أخرى متطلبات مالية إضافية مرتبطة بمعاملات مقوّمة باليوان.
وقد غذّت هذه السياسة المضاربة بأن طهران وبكين تسعيان إلى تسريع جهود إضعاف هيمنة الدولار الأمريكي في أسواق الطاقة العالمية.
| المصدر: حساب X |
ولأكثر من نصف قرن، أتاح هذا النظام لواشنطن تمويل عجوزات ضخمة بتكاليف اقتراض منخفضة نسبياً، نظراً لحاجة دول العالم إلى الدولار لشراء الطاقة.
والآن، يُهدد تنامي انحياز إيران نحو البنية التحتية المالية الصينية هذا الإطار.
يقول محللو الطاقة إن بروز آليات تسوية النفط المقوّمة باليوان قد يُعيد تشكيل طريقة تسعير السلع الدولية وتداولها وتخزينها لدى البنوك المركزية ببطء. وفي حين يبقى هذا التحوّل تدريجياً، يرى كثير من الخبراء أن الأهمية الرمزية لهرمز لا يمكن تجاهلها.
ارتفعت أسعار النفط العالمية بحدة في أعقاب تجدد التوترات حول مضيق هرمز. فقد قفز خام برنت، الذي كان يتداول قرب 60 دولاراً للبرميل في مطلع عام 2026، إلى ما يتجاوز 100 دولار مع تصاعد المخاوف من اضطرابات الشحن.
استجابت الأسواق المالية في البداية وفق نمط مألوف، إذ هرع المستثمرون نحو الدولار الأمريكي بوصفه ملاذاً آمناً تقليدياً في أوقات عدم الاستقرار الجيوسياسي، فتعزّز مؤشر الدولار مؤقتاً مع ارتفاع الطلب على السيولة الدولارية في أنحاء العالم.
بيد أن بعض المحللين يرون أن هذه الارتداد قصير الأمد قد يُخفي ثغرات هيكلية أعمق.
يلفت عدد من الاقتصاديين إلى أنه إذا بدأ كبار منتجي الطاقة في الاحتفاظ بأجزاء أكبر من احتياطياتهم باليوان أو عملات أخرى غير الدولار، فقد يتراجع الطلب طويل الأمد على سندات الخزانة الأمريكية، مما قد يُولّد ضغطاً تصاعدياً على تكاليف الاقتراض الأمريكية ويُعقّد قدرة واشنطن على تمويل ديونها.
لم يعد هذا القلق نظرياً. في السنوات الأخيرة، استكشفت دول عديدة بدائل لنظام المدفوعات المستند إلى الدولار بشكل صريح، ولا سيما بعد أن سلّطت العقوبات الغربية الضوء على المخاطر الجيوسياسية للاعتماد المفرط على الشبكات المالية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة.
أمضت الصين سنوات في توسيع نظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود المعروف بـ CIPS، بوصفه بديلاً محتملاً لشبكة المصارف SWIFT، كما سرّعت تطوير البنية التحتية لليوان الرقمي ودعمت تجارب الدفع عبر الحدود من خلال مشاريع كـ mBridge.
وبات يُنظر إلى أحدث إجراءات إيران على أنها جزء من حركة دولية أوسع نحو "تقليص الاعتماد على الدولار".
حذّر المستثمر الملياردير ومؤسس Bridgewater Associates راي داليو مراراً من أن النظام المالي العالمي قد يقترب من تحوّل تاريخي.
يرى داليو أن عملات الاحتياط لا تظل مهيمنة إلى الأبد، فعلى مر التاريخ نهضت الإمبراطوريات المالية وسقطت في دورات مرتبطة بتراكم الديون والانقسامات السياسية الداخلية وتحولات موازين القوى الجيوسياسية.
وفي تعليقات يتداولها المستثمرون العالميون، شبّه داليو التوترات الراهنة حول هرمز بأزمة السويس البريطانية عام 1956 — تلك اللحظة التي يعدّها كثير من المؤرخين رمزاً لأفول الهيمنة البريطانية العالمية.
وبحسب داليو، قد يؤثر مآل المواجهة في هرمز ليس فحسب على أسواق الطاقة، بل أيضاً على مستقبل توازن القيادة الاقتصادية العالمية.
وقد أشار إلى ثلاثة مخاطر رئيسية تواجه الاقتصاد الأمريكي: الدين الوطني المتنامي بسرعة، وتصاعد الاستقطاب السياسي، والتآكل التدريجي للقوة الشرائية جراء التضخم والتوسع النقدي المفرط.
وقد حثّ داليو المستثمرين على التنويع دولياً والنظر في الاحتفاظ بمجموعة أوسع من الأصول الحقيقية، بما فيها السلع والمعادن الثمينة، حماية من عدم استقرار العملات على المدى البعيد.
وعلى الرغم من أن تحذيراته استقطبت اهتماماً واسعاً، يحذّر كثير من الاقتصاديين من الافتراض بانهيار وشيك لهيمنة الدولار.
على الرغم من تصاعد الحديث عن "البتروييوان"، يظل الدولار الأمريكي مهيمناً هيمنة ساحقة على التمويل العالمي.
لا تزال معظم عقود التجارة الدولية مقوّمة بالدولار، وتواصل البنوك المركزية العالمية الاحتفاظ باحتياطيات دولارية ضخمة، وتبقى أسواق الخزانة الأمريكية من أعمق الأسواق المالية وأكثرها سيولة في العالم.
والأهم من ذلك، أن اليوان الصيني لا يزال يواجه قيوداً جوهرية.
خلافاً للدولار، لا يتمتع اليوان بقابلية التحويل الكاملة في ظل شروط السوق الحرة، إذ تحتفظ الصين بضوابط صارمة على رأس المال تحدّ من تدفق الأموال عبر منظومتها المالية. كما يواصل المستثمرون الدوليون إبداء قلقهم إزاء الشفافية والتدخل التنظيمي والنفوذ السياسي داخل الأسواق الصينية.
ومن ثَمَّ، يعتقد كثير من المحللين أن اليوان لن يستطيع استبدال الدولار كلياً في المستقبل المنظور، حتى وإن اتسعت مكانته الدولية تدريجياً بمرور الوقت.
تشير التقديرات الحالية إلى أن معاملات النفط المقوّمة باليوان لا تمثل سوى جزء ضئيل من إجمالي تجارة الطاقة العالمية. غير أن الخبراء يؤكدون أن التحولات الهيكلية في التمويل العالمي كثيراً ما تسير بخطى متأنية قبل أن تتسارع بصورة غير متوقعة.
من أبرز التطورات في أزمة هرمز الراهنة ظهور ما يصفه بعض المحللين بنظام الطاقة ذي "السوق المزدوجة".
في إطار هذا النظام المتطور، تعمل بعض شحنات النفط المرتبطة بالصين وشركائها التجاريين بصورة متزايدة من خلال منظومات التسوية المقوّمة باليوان، في حين تواصل أسواق الطاقة الغربية التقليدية اعتمادها الأساسي على المعاملات المقوّمة بالدولار.
وقد يُجبر هذا الانقسام كثيراً من الدول على اتخاذ قرارات استراتيجية عسيرة.
قد تواجه الاقتصادات الآسيوية المعتمدة اعتماداً كبيراً على واردات الطاقة من الشرق الأوسط — بما فيها اليابان وكوريا الجنوبية والهند وباكستان — ضغوطاً متصاعدة للموازنة بين علاقاتها الاقتصادية مع واشنطن وبكين.
قد تسعى بعض الحكومات إلى الإبقاء على نظامين متوازيين، مستخدمةً الدولار في معاملات بعينها مع اعتماد آليات اليوان في مشتريات الطاقة الإقليمية.
في حين قد يُقاوم آخرون هذا التحول كلياً بسبب مخاوف من الإفراط في الاعتماد على النظام المالي الصيني.
تبقى التداعيات بعيدة المدى غير محسومة، إلا أن الاقتصاديين يتفقون على أن تجزؤ منظومات الدفع العالمية قد يرفع تقلبات السوق، ويُقلّص الكفاءة المالية، ويخلق خطوط صدع جيوسياسية جديدة.
من العوامل التي تستقطب الاهتمام الدولي أيضاً التطور السريع للبنية التحتية المالية الرقمية المرتبطة بالصين.
مشاريع كـ mBridge — منصة العملة الرقمية لبنوك مركزية متعددة الجنسيات تضم مشاركين من آسيا والشرق الأوسط — مصمّمة لتيسير التسويات العابرة للحدود بشكل أسرع دون الاعتماد الكبير على أنظمة المصارف الغربية.
يرى المؤيدون أن هذه التقنيات قادرة على خفض تكاليف المعاملات وتحسين كفاءة الدفع.
بيد أن المنتقدين يحذّرون من أنها قد تُضعف الشفافية والرقابة التنظيمية المرتبطتين بالشبكات المالية التقليدية المستندة إلى الدولار.
إذا اندمجت دول الخليج في نهاية المطاف بصورة أعمق في البنية التحتية للمدفوعات التي تقودها الصين، فإن المحللين يرون أن نظام البترودولار قد يواجه ضغطاً تنافسياً متصاعداً خلال العقد القادم.
تُعدّ القرارات السياسية المستقبلية للمملكة العربية السعودية بالغة الأهمية بشكل خاص. فبوصفها أكبر مصدّر للنفط في العالم وشريكاً استراتيجياً طويل الأمد لواشنطن، يمكن لموقف الرياض من مبيعات النفط المقوّمة باليوان أن يرسم بشكل ملموس مسار أسواق الطاقة العالمية.
حتى الآن، أبدى المسؤولون السعوديون اهتماماً بتعزيز التعاون المالي مع الصين مع الحفاظ في الوقت ذاته على روابط أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة.
يعكس هذا التوازن الدقيق واقعاً أشمل تواجهه كثير من الدول اليوم: العالم يتجه نحو التعددية القطبية بصورة متسارعة.
بالنسبة للمستثمرين العالميين، تُبرز أزمة هرمز مخاوف متصاعدة من المخاطر الجيوسياسية وعدم الاستقرار النقدي.
يوصي المستشارون الماليون بصورة متزايدة باستراتيجيات تنويع المحفظة تشمل التعرض للسلع والأصول البنية التحتية والأسهم الدولية والاستثمارات المقاومة للتضخم.
كما استعادت أسعار الذهب اهتماماً متجدداً وسط مخاوف من انخفاض قيمة العملات على المدى البعيد والتفتت الجيوسياسي.
يعمد بعض المستثمرين المؤسسيين إلى تقليص الاعتماد على استراتيجيات الاحتياط أحادية العملة واستكشاف سلال أوسع من الأصول العالمية.
مع ذلك، يحذّر الاقتصاديون من المبالغة في الاستجابة للعناوين قصيرة الأمد.
بُنيت هيمنة الدولار على مدى عقود من خلال التحالفات العسكرية والثقة المالية وعمق أسواق رأس المال والاستقرار القانوني. واستبدال هذا النظام يستلزم ليس فحسب الحجم الاقتصادي، بل أيضاً ثقة عالمية في مؤسسات بديلة.
في الوقت الراهن، لا تبدو أي عملة واحدة قادرة بالكامل على إحلال نفسها محل الدولار.
بدلاً من ذلك، يرى المحللون بصورة متزايدة أن العالم قد يدخل نظاماً مالياً أكثر تشتتاً تتعايش فيه عملات متعددة في مناطق نفوذ إقليمية.
يبقى غير محسوم ما إذا كانت الأحداث المتكشّفة حول مضيق هرمز ستُشكّل في نهاية المطاف نقطة تحول تاريخية. غير أن قلة من الخبراء يجادلون في أن المشهد النقدي العالمي آخذ في التغيير.
يُسهم صعود النفوذ الاقتصادي الصيني وتوسع منظومات الدفع الرقمي وتصاعد التوترات الجيوسياسية مجتمعةً في إعادة التقييم التدريجي للنظام المتمحور حول الدولار الذي هيمن على التمويل العالمي منذ الحرب العالمية الثانية.
في الوقت الحالي، يظل الدولار راسخاً بقوة في قلب التجارة الدولية. بيد أن النقاشات الدائرة حول هرمز تكشف عن حقيقة أعمق: دول العالم تستكشف بصورة متزايدة بدائل متاحة.
ما بدأ نزاعاً جيوسياسياً إقليمياً قد يغدو في نهاية المطاف جزءاً من تحوّل أشمل وأعمق في طريقة تجارة الأمم وتخزين ثرواتها وممارسة نفوذها الاقتصادي.
التحول، إن جاء، لن يحدث بين عشية وضحاها على الأرجح.
لكن بالنسبة لكثير من المستثمرين وصانعي السياسات والمواطنين العاديين الذين يتابعون مجريات الأحداث في عام 2026، بات الرسالة أصعب تجاهلاً: قواعد حوكمة المال العالمي ربما تدخل حقبة جديدة.
hoka.news – ليس مجرد أخبار تشفير. إنها ثقافة التشفير.


